اسماعيل بن محمد القونوي

106

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله ( ليطابق قولهم في التصريح ) تعليل لكون الظاهر وما آمنوا قوله لكنه عكس إشارة إلى مقتضى الحال الموجب للإتيان بما ذكر في النظم الجليل يعني أن قوله آمنا يفيد الاهتمام ( بشأن الفعل دون الفاعل ) إذ القاعدة تقديم ما هو أهم فلما قدموا الفعل حيث قالوا آمنا علم أن نظرهم إلى صدور الفعل عنهم لا بيان فاعليتهم لذلك الفعل وإنما تعرضوا للفاعل لأجل الفعل فالنظر إليه بالتبع وقوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] الأمر فيه بالعكس فإنه يفيد الاهتمام بشأن الفاعل لما ذكرنا والنظر إلى الفعل لأجله وتبع له فالرد الذي يطابقه التصريح بنفي الفعل عنهم وعدم الاكتفاء بنفيه عنهم تطفلا ولا يخفى عليك أن تقديم الفعل هو الأصل فلا يرام له نكتة لا سيما إذا كان الغرض إفادة ماضويته فلا ينافي كون النظر إلى الفاعل بالأصالة فالمطابقة حينئذ متحققة نعم لا بد من نكتة اختيار الجملة الاسمية هنا والفعلية هناك وما ذكره الشيخان لو تم لزم أن يكون في مثل خلق اللّه وعلم اللّه أن يكون النظر فيه الفعل دون الفاعل بالأصالة . قوله : ( لكنه عكس ) أي لم تراع المطابقة وهذا معنى العكس هنا لا أنه عكس في التصريح على أنه لا يضر المقصود لأنه لو قيل عكس أي صرح بشأن الفاعل لكن لا لذاته بل للكناية عن نفي الفعل لكان سديدا . التخصيص بأن يكون الكلام في الموضعين في شأن الفاعل والمقصر الواقع في الثاني من باب قصر الإفراد من حيث إنهم ادعوا الشركة والموافقة للمسلمين في الإيمان باللّه واليوم الآخر وأن إيمانهم كإيمانهم فقيل في جوابهم وهم بمؤمنين على قصر الافراد لأنهم ادعوا الشركة في الإيمان الحقيقي فردوا باختصاص المؤمنين به دونهم كقوله تعالى : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ [ التوبة : 56 ] والمقام يساعد هذا التقرير دون الأول وذلك أن سياق الكلام لبيان خبث المنافقين ودعارتهم فإذا دعوا رفع المخالفة من البين ارتفعت المنازعة وإنما المنازعة بينهما في هاتين المسألتين وهما الإيمان باللّه والإيمان باليوم الآخر أقوى من المنازعة في سائر المسائل وادعاء حصولهما ادعاء ارتفاع المخالفة فكان اختصاصهما أهم من غيرهم ألا يرى إلى قول الفقهاء الفلسفي إذا قال أشهد أن الباري تعالى علة الموجودات أو مبدؤها أو سببها لم يكن ذلك إيمانا حتى يقر بأنه سبحانه مخترع ما سواء ومحدثه بعد إن لم يكن ذكره شارح اللباب وإنما يشبه هذا التركيب بقوله عز وجل : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [ المائدة : 37 ] فصحيح ولكن لا يتم به غرضه وذلك أن قولهم نحو قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا [ المائدة : 37 ] وأن قوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] نحو قوله تعالى : وَما هُمْ بِخارِجِينَ [ المائدة : 37 ] ولكن قوله : وَما هُمْ بِخارِجِينَ [ المائدة : 37 ] ليس نصا في الاختصاص أيضا قوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] هذا وأقول قوله عز وجل : وَما هُمْ بِخارِجِينَ [ المائدة : 37 ] ليس نصا في الاختصاص أيضا لأن المراد به أيضا رد ما أرادوه من الخروج ومقتضى الظاهر أن يقال ولا يخرجون وليس المراد أن الخارجين غيرهم لا هؤلاء فأريد نفي الخروج عنهم على أبلغ وجه وأكده فسلك مسلك الاختصاص الدال على إخراج ذواتهم من أن يكونوا من زمرة الخارجين ليتوسل بهذا النفي إلى نفي خروجهم عن النار ويكون كإثبات المدعي بالشاهد وتنوير الدعوى بالدليل .